فصل: تفسير الآيات (6- 11):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآيات (6- 11):

{فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (9) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (10) نارٌ حامِيَةٌ (11)}
قد تقدم القول في الميزان في الأعراف والكهف والأنبياء. وأن له كفة ولسانا توزن فيه الصحف المكتوب فيها الحسانات والسيئات. ثم قيل: إنه ميزان واحد بيد جبريل يزن أعمال بني آدم، فعبر عنه بلفظ الجوع.
وقيل: موازين، كما قال:
فلكل حادثة لها ميزان

وقد ذكرناه فيما تقدم. وذكرناه أيضا في كتاب التذكرة وقيل: إن الموازين الحجج والدلائل، قاله عبد العزيز بن يحيى، واستشهد بقول الشاعر:
قد كنت قل لقائكم ذا مرة ** عندي لكل مخاصم ميزانه

ومعنى {عِيشَةٍ راضِيَةٍ} أي عيش مرضي، يرضاه صاحبه.
وقيل: عِيشَةٍ راضِيَةٍ أي فاعلة للرضا، وهو اللين والانقياد لأهلها. فالفعل للعيشة لأنها أعطت الرضا من نفسها، وهو اللين والانقياد. فالعيشة كلمة تجمع النعم التي في الجنة، فهي فاعلة للرضا، كالفرش المرفوعة، وارتفاعها مقدار مائة عام، فإذا دنا منها ولي الله اتضعت حتى يستوي عليها، ثم ترتفع كهيئتها، ومثل الشجرة فرعها، كذلك أيضا من الارتفاع، فإذا أشتهى ولي الله ثمرتها تدلت إليه، حتى يتناولها ولي الله قاعدا وقائما، وذلك قوله تعالى: {قُطُوفُها دانِيَةٌ} [الحاقة: 23]. وحيثما مشى أو ينتقل من مكان إلى مكان، جرى معه نهر حيث شاء، علوا وسفلا، وذلك قوله تعالى: {يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً} [الإنسان: 6]. فيروى في الخبر: «إنه يشير بقضيبه فيجري من غير أخدود حيث شاء من قصوره وفي مجالسه». فهذه الأشياء كلها عيشة قد أعطت الرضا من نفسها، فهي فاعلة للرضا، وهي أنذلت وانقادت بذلا وسماحة. ومعنى {فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ} يعني جهنم. وسماها أما، لأنه يأوي إليها كما يأوي إلى أمه، قاله ابن زيد. ومنه قول أمية بن أبي الصلت:
فالأرض معقلنا وكانت أمنا ** فيها مقابرنا وفيها نولد

وسميت النار هاوية، لأنه يهوي فيها مع بعد قعرها. ويروى أن الهاوية اسم الباب الأسفل من النار.
وقال قتادة: معنى فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ فمصيره إلى النار. عكرمة: لأنه يهوي فيها على أم رأسه. الأخفش: فَأُمُّهُ: مستقره، والمعنى متقارب.
وقال الشاعر:
يا عمر لو نالتك أرماحنا ** كنت كمن تهوي به الهاوية

والهاوية: المهواة. وتقول: هوت أمه، فهي هاوية، أي ثاكلة، قال كعب بن سعد الغنوي:
هوت أمه ما يبعث الصبح غاديا ** وماذا يؤدي الليل حين يئوب

والمهوي والمهواة: ما بين الجبلين، ونحو ذلك. وتهاوى القوم في المهواة: إذا سقط بعضهم في إثر بعض. {وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ} الأصل {ما هي} فدخلت الهاء للسكت. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وابن محيصن {ما هي نار} بغير هاء في الوصل، ووقفوا بها. وقد مضى في سورة الحاقة بيانه. {نارٌ حامِيَةٌ} أي شديدة الحرارة.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من حر جهنم» قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله. قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا، كلها مثل حرها». وروي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: إنما ثقل ميزان من ثقل ميزانه، لأنه وضع فيه الحق، وحق لميزان يكون فيه الحق أن يكون ثقيلا. وإنما خف ميزان من خف ميزانه، لأنه وضع فيه الباطل، وحق لميزان يكون فيه الباطل أن يكون خفيفا.
وفي الخبر عن أبي هريرة، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أن الموتى يسألون الرجل يأتيهم عن رجل مات قبله، فيقول ذلك مات قبلي، أما مر بكم؟ فيقولون لا والله، فيقول إنا لله وإنا إليه راجحون! ذهب به إلى أمه الهاوية، فبئست الام، وبئست المربية». وقد ذكرناه بكماله في كتاب التذكرة، والحمد لله.

.سورة التكاثر:

تفسير سورة التكاثر وهي مكية في قول جميع المفسرين. وروى البخاري أنها مدنية. وهي ثمان آيات.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

.تفسير الآيات (1- 2):

{أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (2)}
فيه خمس مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {ألهاكم التكاثر} أَلْهاكُمُ شغلكم. قال:
فألهيتها عن ذي تمائم مغيل

أي شغلكم المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة الله، حتى متم ودفنتم في المقابر. وقيل أَلْهاكُمُ: أنساكم. التَّكاثُرُ أي من الأموال والأولاد، قاله ابن عباس والحسن.
وقال قتادة: أي التفاخر بالقبائل والعشائر.
وقال الضحاك: أي ألهاكم التشاغل بالمعاش والتجارة. يقال: لهيت عن كذا بالكسر ألهى لهيا ولهيانا: إذا سلوت عنه، وتركت ذكره، وأضربت عنه. وألهاه: أي شغله. ولهاه به تلهية أي علله. والتكاثر: المكاثرة. قال مقاتل وقتادة وغيرهما: نزلت في اليهود حين قالوا: نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالا.
وقال ابن زيد: نزلت في فخذ من الأنصار.
وقال ابن عباس ومقاتل والكلبي: نزلت في حيين من قريش: بني عبد مناف، وبني سهم، تعادوا وتكاثروا بالسادة والاشراف في الإسلام، فقال كل حي منهم نحن أكثر سيدا، وأعز عزيزا، وأعظم نفرا، وأكثر عائذا، فكثر بنو عبد مناف سهما. ثم تكاثروا بالأموات، فكثرتهم سهم، فنزلت أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ بأحيائكم فلم ترضوا حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ مفتخرين بالأموات.
وروى سعيد عن قتادة قال: كانوا يقولون نحن أكثر من بني فلان، ونحن أعد من بني فلان، وهم كل يوم يتساقطون إلى آخرهم، والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم. وعن عمرو بن دينار: حلف أن هذه السورة نزلت في التجار. وعن شيبان عن قتادة قال: نزلت في أهل الكتاب. قلت: الآية تعم جميع ما ذكر وغيره.
وفي صحيح مسلم عن مطرف عن أبيه قال: أتيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يقرأ {أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ} قال: «يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس».
وروى البخاري عن ابن شهاب: أخبرني أنس بن مالك أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لو أن لابن أدم واديا من ذهب، لاحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب». قال ثابت عن أنس عن أبي: كنا نرى هذا من القرآن، حتى نزلت {أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ}. قال ابن العربي: وهذا نص صحيح مليح،. غاب عن أهل التفسير فجهلوا وجهلوا، والحمد لله على المعرفة.
وقال ابن عباس: «قرأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ} قال: تكاثر الأموال: جمعها من غير حقها، ومنعها من حقها، وشدها في الأوعية».
الثانية: قوله تعالى: {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ} أي حتى أتاكم الموت، فصرتم في المقابر زوارا، ترجعون منها كرجوع الزائر إلى منزله من جنة أو نار. يقال لمن مات: قد زار قبره.
وقيل: أي ألهاكم التكاثر حتى عددتم الأموات، على ما تقدم.
وقيل: هذا وعيد. أي اشتغلتم بمفاخره الدنيا، حتى تزوروا القبور، فتروا ما ينزل بكم من عذاب الله عز وجل.
الثالثة: قوله تعالى: {الْمَقابِرَ} جمع مقبرة ومقبرة بفتح الباء وضمها. والقبور: جمع القبر قال:
أرى أهل القصور إذا أميتوا ** بنوا فوق المقابر بالصخور

أبوا إلا مباهاة وفخرا ** على الفقراء حتى في القبور

وقد جاء في الشعر المقبر قال:
لكل أناس مقبر بفنائهم ** فهم ينقصون والقبور تزيد

وهو المقبري والمقبري: لابي سعيد المقبري، وكان يسكن المقابر. وقبرت الميت أقبره وأقبره قبرا، أي دفنته. وأقبرته أي أمرت بأن يقبر. وقد مضى في سورة عبس القول فيه. والحمد لله.
الرابعة: لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة. وزيارتها من أعظم الدواء للقلب القاسي، لأنها تذكر الموت والآخرة. وذلك يحمل على قصر الأمل، والزهد في الدنيا، وترك الرغبة فيها. قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروا القبور، فإنها تزهد في الدنيا، وتذكر الآخرة» رواه ابن مسعود، أخرجه ابن ماجة.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: «فإنها تذكر الموت».
وفي الترمذي عن بريدة: «فإنها تذكر الآخرة». قال: هذا حديث حسن صحيح. وفية عن أبي هريرة: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن زوارات القبور. قال: وفي الباب عن ابن عباس وحسان بن ثابت. قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح. وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في زيارة القبور، فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء.
وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن، وكثرة جزعهن. قلت: زيارة القبور للرجال متفق عليه عند العلماء، مختلف فيه للنساء. أما الشواب فحرام عليهن الخروج، وأما القواعد فمباح لهن ذلك. وجائز لجميعهن. ذلك إذا انفردن بالخروج عن الرجال، ولا يختلف في هذا إن شاء الله. وعلى هذا المعنى يكون قوله: «زوروا القبور» عاما. وأما موضع أو وقت يخشى فيه الفتنة من اجتماع الرجال والنساء، فلا يحل ولا يجوز.
فبينا الرجل يحرج ليعتبر، فيقع بصره على امرأة فيفتتن، وبالعكس فيرجع كل واحد من الرجال والنساء مأزورا غير مأجور. والله أعلم.
الخامسة: قال العلماء: ينبغي لمن أراد علاج قلبه وانقياده بسلاسل القهر إلى طاعة ربه، أن يكثر من ذكر هاذم اللذات، ومفرق الجماعات، وموتم البنين والبنات، ويواظب على مشاهدة المحتضرين، وزيارة قبور أموات المسلمين. فهذه ثلاثة أمور، ينبغي لمن قسا قلبه، ولزمه ذنبه، أن يستعين بها على دواء دائه، ويستصرخ بها على فتن الشيطان وأعوانه، فإن أنتفع بالإكثار من ذكر الموت، وانجلت به قساوة قلبه فذاك، وإن عظم عليه ران قلبه، واستحكمت فيه دواعي الذنب، فإن مشاهدة المحتضرين، وزيارة قبور أموات المسلمين، تبلغ في دفع ذلك ما لا يبلغه الأول، لان ذكر الموت إخبار للقلب بما إليه المصير، وقائم له مقام التخويف والتحذير.
وفي مشاهدة من احتضر، وزيارة قبر من مات من المسلمين معاينة ومشاهدة، فلذلك كان أبلغ من الأول، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ليس الخبر كالمعاينة» رواه ابن عباس. فأما الاعتبار بحال المحتضرين، فغير ممكن في كل الأوقات، وقد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في ساعة من الساعات. وأما زيارة القبور فوجودها أسرع، والانتفاع بها أليق وأجدر. فينبغي لمن عزم على الزيارة، أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظه منها التطواف على الأجداث فقط، فإن هذه حاله تشاركه فيها بهيمة. ونعوذ بالله من ذلك. بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى، وإصلاح فساد قلبه، أو نفع الميت بما يتلو عنده من القرآن والدعاء، ويتجنب المشي على المقابر، والجلوس عليها ويسلم إذا دخل المقابر وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضا، وأتاه من تلقاء وجهه، لأنه في زيارته كمخاطبته حيا، ولو خاطبه حيا لكان الأدب استقباله بوجهه، فكذلك ها هنا. ثم يعتبر بمن صار تحت التراب، وانقطع عن الأهل والأحباب، بعد أن قاد الجيوش والعساكر، ونافس الأصحاب والعشائر، وجمع الأموال والذخائر، فجاءه الموت في وقت لم يحتسبه، وهول لم يرتقبه. فليتأمل الزائر حال من مضي من إخوانه، ودرج من أقرانه الذين بلغوا الآمال، وجمعوا الأموال، كيف انقطعت آمالهم، ولم تغن عنهم أموالهم، ومحا التراب محاسن وجوههم، وافترقت في القبور أجزاؤهم، وترمل من بعدهم نساؤهم، وشمل ذل اليتم أولادهم، واقتسم غيرهم طريفهم وتلادهم. وليتذكر ترددهم في المآرب، وحرصهم على نيل المطالب، وانخداعهم لمواتاة الأسباب، وركونهم إلى الصحة والشباب. وليعلم أن ميله إلى اللهو واللعب كميلهم، وغفلته عما بين يديه من الموت الفظيع، والهلاك السريع، كغفلتهم، وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم، وليحضر بقلبه ذكر من كان مترددا في أغراضه، وكيف تهدمت رجلاه. وكان يتلذذ بالنظر إلى ما خوله وقد سالت عيناه، ويصول ببلاغة نطقه وقد أكل الدود لسانه، ويضحك لمواتاة دهره وقد أبلى التراب أسنانه، وليتحقق أن حاله كحاله، وماله كماله. وعند هذا التذكر والاعتبار تزول عنه جميع الأغيار الدنيوية، ويقبل على الأعمال الأخروية، فيزهد في دنياه، ويقبل على طاعة مولاه، ويلين قلبه، وتخشع جوارحه.